محمد سعيد رمضان البوطي
271
فقه السيرة ( البوطي )
ويزداد هذا السبب وضوحا إذا تأملت في سؤال علي رضي اللّه عنه لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعد أن أعطاه اللواء : أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا ؟ وفي جوابه صلى اللّه عليه وسلم إذ قال : « أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق اللّه فيه » . ولقد استنبط العلماء من غزوة خيبر هذه الدلالات وأحكاما كثيرة مختلفة ، نذكر فيما يلي جملة منها . أولها : ( جواز الإغارة على من بلغتهم الدعوة الإسلامية وحقيقتها ، بدون إنذار سابق أو دعوة مجددة ) ، وهو مذهب الشافعية وجمهور الفقهاء ، فذلك ما فعله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في إغارته على خيبر ، وأما بلوغ الدعوة وتفهّم الإسلام فهما صحيحا على وجهه فهو شرط بالاتفاق . ثانيها : ( تقسيم الغنائم على الأساس الذي ورد ذكره ) ، وهو تقسيم أربعة أخماسها بين الغانمين يعطى للراجل سهم ، وللفارس ثلاثة أسهم : سهم له واثنان لفرسه « 1 » ، والخمس الباقي يوزع أخماسا على من نصت عليهم الآية القرآنية : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [ الأنفال : 41 ] ، وسهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من هذا الخمس يوزع من بعده على مصالح المسلمين كما ذهب إلى ذلك الشافعية والحنفية ، وقيل : يختص به الخليفة فيصرفه فيما يراه ، والقولان متقاربان . ثالثها : ( جواز إشراك غير المقاتلين في الغنيمة ممن حضر مكان القتال ) ، وذلك بعد استئذان أصحاب الحق فيها ، فقد أشرك النبيّ صلى اللّه عليه وسلم جعفر بن أبي طالب ومن معه في الغنائم ، بإذن من الصحابة ، حينما عادوا من الحبشة واليمن . واعلم أن رواية البخاري في هذا خالية عن التقييد باستئذان المسلمين ، ولكن زاد البيهقي في روايته أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قبل أن يقسم لهم كلّم المسلمين فأشركوهم ، وزيادة العدل مقبولة ، والذي زاد من قيمة القيد الذي رواه البيهقي أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لم يسهم لأبان بن سعيد ، وقد كان أرسله على سرية قبل نجد فعاد منها إلى خيبر بعد انتهاء القتال ، وقال له صلى اللّه عليه وسلم ، اقسم لنا يا رسول اللّه ، فلم يقسم له ، وإنما يجمع بين الخبرين بحمل الأول
--> ( 1 ) ذهب أبو حنيفة إلى أن للفارس سهمين ، سهم له وآخر لفرسه ، وهو محجوج بما ذكرنا من تقسيم النبي صلى اللّه عليه وسلم لغنائم خيبر .